يوسف المرعشلي
1380
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وبعد درس الوعظ العام الذي يستمر ساعة ونصف الساعة ، يلقي درسا خاصّا في الفقه الشافعي أو الأصول حتى الضحوة الكبرى ، فيعود إلى بيته ويبقى إلى الظهر ، فيعود إلى المسجد ليصلي إماما فيه ويقرأ بعد الصلاة درسا خاصّا . ويعطي بعد العصر درسا في البلاغة ، ثم بعد المغرب درسا في التفسير أو الحديث أو الفرائض . وبقي على هذه الحال أكثر من ثلاثين سنة ؛ لا يمنعه من الخروج إلى المسجد إلا شدة المرض . وحينما اشتدت عليه الأوجاع ، ولازمته الأسقام ترك بيته في زقاق البرغل ؛ القريب من جامع السادات ، وسكن حي المهاجرين على سفح قاسيون ، طلبا للهواء النظيف ، ونزولا عند رأي الأطباء ؛ فجعل يلقي دروسه في بيته . كان في درس وعظه عظيم التأثير في النفوس يتكلم من قلبه وروحه ؛ فيزرع في القلوب الخشية من اللّه والخوف منه ؛ فتذرف العيون وتلين القلوب . ولم تكن العلوم الشرعية وسواها - وبلغ فيها مبلغ العلماء الكبار - غاية في نفسها كما كانت الحال عند بعض العلماء ، وإنما رآها وسيلة يبتغي من ورائها إرشاد الناس ودلالتهم على الحق والخير ، فلا يعرف اللّه الجاهلون ، ولم يكن يحب أن يتعبد جاهل . تخرّج به وبالمدارس التي أسسها آلاف الطلاب ، نبغ من بينهم الكثيرون ، وكان الطالب يأتيه لا يعرف شيئا ؛ فلا تمضي عليه مدة يسيرة سنة أو أكثر إلا ويكون خطيبا أو متعلما أو طالب علم من الطراز الأول . ومن بقي من طلابه الآن هم علماء دمشق بل من خيرة علمائها ، وسار بعضهم على طريقته كالشيخ عبد الكريم الرفاعي ، والشيخ عبد الرحمن الزعبي . امتحن المترجم محنة عظيمة استمرت سنة كاملة تقريبا خلال عام 1353 ه ، وذلك بسبب اعتناقه للطريقة التيجانية « 1 » إلا أنه صبر وثبت وانتصر على خصومه الذين تأوّلوا عليه ، وكفّره بعضهم . ثم أصدر جملة من العلماء بيانا أنكروا فيه على الخائضين المعترضين وبرؤوه وقمعوا الفتنة ، وجاء فيه : « إنه بالنظر للحوادث الأخيرة . ولما كتب في شأن الطريقة التيجانية ، اجتمع لفيف من أهل العلم الشرعي الآتي ذكر أسمائهم في آخر هذا البيان ، وبحثوا في الأقوال المدسوسة على هذه الطريقة ، وعلى مؤسسها السيد أحمد التجاني ؛ فاستقر رأيهم جميعا ، وفي رأسهم الأستاذ العلامة الخادم لدينه ووطنه الشيخ علي الدقر على استنكار تلك الأقوال التي لاكتها ألسنة الناس ، وردّدتها الكتب والنشرات ، وعلى استنكار الحكم بالردة بدون تحقيق ولا تدبر ، والمطاعن الفاحشة على فئة لها كبير التمسك بالدين وعظيم الفضل بين المسلمين ، وعلى جمعية لها اليد البيضاء في خدمة طلبة العلوم الشرعية ، وقد رأوا خدمة للشريعة المطهرة أن ينشروا هذا البيان على الناس ؛ قمعا لفتنة ظهرت بوادرها ، وتبرئة لأولياء اللّه تعالى مما يتقوله المتقولون ، ونحبّ أن نختم هذا البيان بتصريح الأستاذ الشيخ علي الدقر جلاء لموقفه الحق ، وقيامه المشروع ، ودحضا لما يفتريه عليه بعض المعترضين المحرفين . يقول الأستاذ حفظة اللّه : « إني منذ حداثة سني أشتغل بالعلم الشرعي تعلّما وتعليما ، لا تني لي في ذلك همة ، ولا تضعف لي فيه عزيمة . وليس لي من غرض سوى خدمة الشريعة المطهرة ، وتهيئة طلاب عاملين يذبّون عن حماها وينشرون دعوتها ، وإني فوق هذا أدعو هؤلاء الطلاب وجميع إخواني إلى الاستغفار وذكر اللّه تعالى ، والصلاة على رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . وهذا كل ما أردته من الدعوة إلى الطريقة التجانية ، وإنما اتخذت هذه الأذكار جمعا لقلوب الطلبة ، وتوجيها لهم إلى جهة واحدة . أما وقد أوشكت الفتنة أن تثير الأحقاد ، وتفرق الكلمة الجامعة ؛ فإني أعلن لمواطنيّ وجميع إخواني أني - مع احترامي للطرق الشرعية الداعية إلى اللّه تعالى ، واعتقادي الكبير بسيدي أحمد التجاني رضي اللّه عنه المؤسس الأول للطريقة التجانية ، والمتوفى منذ نحو مئتي سنة - مستمرّ كما كنت على مبدئي في نشر
--> ( 1 ) الطريقة التيجانية : نسبة إلى الشيخ أحمد التّجّاني المغربي المتوفّى بفاس سنة 1230 ه وأثنى عليه الشيخ عبد الرزاق البيطار في « حلية البشر » كل الثناء ، وجاء في الحاشية خلال ترجمته : * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا الآية [ مريم : 59 ] سخرت فرنسا المستعمرة منهم ، وسخرتهم لمصالحها ؛ فأرسلتهم لقتال إخوانهم في الدين والعروبة ، ووسوست لهم أن قراءة ورد الفاتح مرّة تعدل من تلاوة القرآن عشرات المرات ، فساءت حالهم وأعمالهم » ( حلية البشر 1 / 301 - 304 ) .